السيد كمال الحيدري
62
شرح بداية الحكمة
واستدلّ على ذلك بأمثلة كثيرة منها أن الإنسان قد يحفر بئراً ليحصل على ماء وإذا به يستخرج كنزاً . ومن الواضح أن غاية الفاعل من فعله هي الوصول إلى الماء ، ومع ذلك لم تتحقق الغاية . فليس كل من حفر بئراً حصل على الغاية المطلوبة ، بل قد يحصل وقد لا يحصل . وعليه ، فالقول بأن هناك رابطة ضرورية بين فعل الفاعل وبين الغاية المترتبة عليه ليس كذلك ، فقد تتخلف الغاية وتختلف . وكذلك لو استظلّ شخص بجدار ليتَّقي من حرّ الشمس فوقع عليه الجدار وقتله ، فإن غايته هي أن يستظلّ بالجدار ليتّقي حرّ الشمس ، لا أن يستظل به ليموت . فهنا لا توجد أية رابطة ضرورية بين فعل الفاعل والغاية المترتبة على ذلك الفعل ، بل قد توجد الغاية وقد لا توجد . وعليه ، فإن نظائر هذه الأمثلة الجزئية تدلّ على إبطال قانون التلازم الضروري بين فعل الفاعل والغاية المترتّبة على ذلك الفعل . وعلى هذا الأساس فسّر بعض حكماء اليونان الأقدمين « 1 » مسألة نشأة العالم ، فاعتبر أن مبادئ عالم الطبيعة عبارة عن مجموعة مواد صغيرة غير قابلة للتجزئة وغير متناهية العدد ، وادّعى أن العالم وجد نتيجة اصطدام هذه الذرّات الصغيرة السابحة في فضاء غير متناه ( الخلاء ) ، وتسبَّب ذلك بوجود الأشكال والهيئات الخاصة للموجودات الطبيعية ، وقد حصل كل ذلك من باب الصدفة « 2 » ، وبهذا يكون قد أنكر ضرورة وجود الغاية « 3 » .
--> ( 1 ) هو ذيمقريطس . ( 2 ) الصدفة المستحيلة أو الاتفاق هو أن يوجد فعل من غير فاعل ، وأن توجد غاية واحدة ولكن تارة من فعل وأخرى من فعل آخر . ( 3 ) أنكر ذيمقريطس العلة الغائية دون العلة الفاعلية حيث قال فيها بالجبر ، كما أنكر العلية الغائية في خصوص الأجسام الطبيعية دون النباتية والحيوانية .